الجحيم الذى نصنعه
في روايته الأخيرة «الجحيم»، اصطحب الكاتب الأميركي الشهير دان براون قُرّاءه في رحلة امتدت من أنفاق فلورنسا الإيطالية إلى شوارع إسطنبول التركية، ليُبيّن مدى تأثير خطر «الكثافة السكانية» على العالم، وهو الوباء الذي يسير جنباً إلى جنب مع توأمه الأقبح «الاحتباس الحراري» ليشكلا معاً أكبر تهديد لبشر هذا القرن، وفقاً لكمّ هائل من التقارير الصادرة عن مؤسسات ومنظمات بيئية وصحية.
الأمر بكل بساطة هو أن عدد سكان الأرض في إزدياد مضطرد في الوقت الذي لا تزيد معه مساحة الأرض أو مصادر التغذية والطاقة. فوفقاً لإحصاءات البنك الدولي وعدد من المنظمات الصحية، فإن عدد سكان الأرض إزداد من ثلاثة بلايين نسمة في 1964 إلى أكثر من سبعة بلايين نسمة في 2014، ومن المتوقع أن يصل - على الأقل - إلى 10 بلايين بحلول 2050. إزدياد عدد السكان يعني بالضرورة استهلاكاً أكبر للطاقة والغذاء من جهة، والحاجة إلى مساكن ووظائف من جهة أُخرى، مما يُثقل كاهل الحكومات والأرض معاً. مصر بامكانها أن تخدم كمثال حي لهكذا معضلة.
فوفق «الهيئة العامة للاستعلامات» المصرية، قفز عدد سكان مصر من 59 مليون نسمة في 1996 إلى أكثر من 87 مليون نسمة في 2014 (من دون المصريين في الخارج). وتترافق هذه الزيادة مع إزدياد ملحوظ في نسب الفقر، والبطالة، والعشوائيات. المقلق أكثر هو أنّ خبر مصر هذا ليس أسوأ الأخبار، إذ إن العالم كله كان قد غدا مِصراً.
فمع ازدياد الكثافة السكانية، تزداد الحاجة إلى استخدام السيارات والطائرات والبواخر، وإلى ما تنتجه المصانع، التي بفعل أبخرتها المتصاعدة تساهم في شكل حاسم وفعّال بارتفاع درجة حرارة الأرض، إذ إن تلك الأبخرة التي تخرج من عوادم السيارات والمصانع والحرائق وسواها لا تخرج عن الأرض إلى المجرة، بل تظل حبيسة الأرض بفعل الغلاف الجوي الذي يحوي غازات تمنع معظم الأبخرة من الهروب. بعبارة أُخرى يمكن النظر إلى الأرض كحجرة صغيرة بلا مخارج تهوية، وفي إحدى زواياها يتم حرق وريقات من الشجر، وللقارئ أن يتخيل السوء الذي ستنتهي إليه الحجرة. آثار الاحتباس الحراري بدأت تتجلى هذا العام الذي سجّل معدلات قياسية في ارتفاع درجة حرارة الأرض، فشهر تموز (يوليو) الفائت شهد أعلى معدل لارتفاع درجة الحرارة منذ أن بدأ البشر تدوين أحوال الطقس وتقلباته، وفقاً لـ «الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي» الأميركية.
نتيجة ارتفاع حرارة الأرض تجسدت في الحرائق التي اجتاحت غابات أميركا الشمالية، إذ أحرقت 25 في المئة منها منذ 2013 فقط (Global Forest Watch)، وتمثلت في ارتفاع منسوب مياه البحر (بفضل ذوبان الجليد، خصوصاً في القطب الشمالي) الذي قد يؤدي إلى فيضانات جارفة تهدد كثيراً من المناطق الساحلية حول العالم، ناهيك عن أن الاحتباس الحراري أثبت غير مرة قُدرته على صُنع موجات حر قاتلة (كتلك التي خطفت أرواح 800 شخص في باكستان ما استدعى الجيش للنزول في محاولة بائسة من الحكومة لإجلاء السكان عن المناطق ذات الحرارة المرتفعة).
في بداية الألفية الجديدة حاول علماء البيئة قرع جرس الإنذار، محذرين من أخطار الاحتباس الحراري على الأجيال المقبلة، أي بعد عقود طويلة، إلا أن أكثرهم تشاؤماً لم يكن ليتنبأ بأن آثار الاحتباس الحراري ستظهر جلية في زمننا هذا. المحزن أن جرس الإنذار الذي قرعوه لا يعمل، فهناك ملايين من البشر، ممن يجوبون شرق العالم وغربه، يعتبرون الاحتباس الحراري «مؤامرة» غربية لتقليل الإنتاج الصناعي لمصلحهتم، وينظرون إلى خطر الكثافة السكانية كـ «وهم»، لا واقع.
في لقاء تلفزيوني، سُئل دان براون عن سبب اختياره «الكثافة السكانية» كمحور لروايته، فأجاب بسرعة تشبه اليقين بأن «منظمات الصحة وعلماء البيئة حول العالم لا يرون الكثافة السكانية كإحدى مشكلات المستقبل وحسب، بل يؤمنون بأنها المشكلة الأساسية لمستقبل البشر». تحذيرات كهذه تُنذر بأن آخر فصول قصتنا على هذه الأرض توشك على كتابة نهايتها تحت أعيننا، وبأننا نتجه بالأرض إلى «جحيم» نصنعه بأيدينا.
للكاتب
إرسال تعليق